الأربعاء، يونيو 06، 2007

كنت معهم ...

( 1 )

الأحد 3 / 6 / 2007 م ..... التاسعة صباحا ....
كان المشهد كالتالي ... رمال قاحلة ... عميقة ... حارة ... رمال من التي نراها علي حدود الدول ... أو في أعماق الصحاري الشاسعة ... رمال من التي لا تصلح لوجود البشر فيها ... بل لا تصلح لوجد غير البشر كذلك ...

في هذا الجو الخانق... ستعقد الجلسة الثانية من المحاكمات العسكرية التي يحاكم فيها قياديون من جماعة الإخوان المسلمين .... ستذهب في هذا اليوم ولن يخطر ببالك صعوبة المكان إلي هذا الحد , ولن يخطر ببالك أن تظل واقفا لأكثر من 8 ساعات في هذا الجو .... لن تتخيل أن تجد هذه السيدة المسنة التي لا تقوي علي الحركة وهي تقف علي الحاجز في انتظار السماح ... ولن تتخيل هؤلاء الأطفال وهم يلعبون ولا يعرفون ما الذي جاء بهم إلي هنا ... ولن تتخيل أن تشاهد هذه المشاهد وأن تسمع هذه الهتافات ... أو أن تسجل كل هذه الانطباعات .... لن تتخيل أن تقابل بهذا الجفاء وبهذه القسوة من قوم ينتمون إليك وإلي هذا الوطن وهذا التراب وهذه الأرض ....

( 2 )

"بوابة أيوب" ...
هل يمكن أن يكون الأمر مقصودا ؟؟ أو أنك سمعت الاسم خطأ؟ وهل عرف من سماها بهذا الاسم أن يأتيها يوما من يحتاج إلي أن يتذكر هذا الرجل بصبره واحتماله وأن يوقن أن هذا قدره؟ ... قدر صاحب الاسم ... وقدر صاحب الحدث ....

فهكذا يمكنك أن تسمع الاسم من هذا العسكري أسمر البشرة الواقف تحت الشمس حين تسأله عن مكان المحاكمة العسكرية ... ويشير بيديه واصفا لك مكانها وماذا تركب لتصل إلي هناك ....

وقبل الساعة التاسعة تصل إلي بوابة الهايكستب .... علي طريق الإسماعيلية ... من الميكروباص تنزل لتفاجأ أن المكان ليس هنا وإنما في بوابة أخري تسمي بوابة "أيوب" , تحاول إيجاد ميكروباص أو حتى تاكسي ... لتصل إلي هدفك .... حتي تصل ...

( 3 )

"كافيتريا البواسل"
مبني مكون من طابق واحد مرتفع عن الأرض قليلا ... منه تستطيع أن تري الصحراء حولك من كل مكان ... وتستطيع أن تري المئات من أهالي الإخوان المعتقلين والمئات من مناصريهم الذين جاءوا يساندوهم ... وكل أملهم أن يلقوا نظرة ... يسمعوا كلمة ... يبادلونهم ابتسامة .... تستطيع أن تشتري من هناك ... عصائر ومشروبات باردة وأن تجد العديد من المخبوزات ... ولكن هل جاء كل هؤلاء وقطعوا تلك المسافة لمجرد أن يشتروا كل هذا ؟؟؟ هل ستتعجب وأنت تري عائشة حسن مالك هذه الطفلة الصغيرة وهي تجري علي السلم وفي يدها ما تشرب منه .... لا تتعجب حين تسمعها تعرض علي طفلة معها أن تشتري من ذلك مثلها أم هل تريد شيئا آخر؟؟ لأني سمعتها وهي تعرض عليها ذلك ... وبرغم وقوفها وسط الزحام الشديد تستطيع أن تراها .... و لن تستطيع مقاومة حالة التعاطف تلك من داخل قلبك معها .... ؟

( 4 )

في حوالي الساعة العاشرة إلا ربع ... ستلمح "إيمان عبد المنعم" ... قادمة من بعيد ... في هذا الجو يا إيمان؟ لم العجلة؟ بل لم المشوار في هذا الجو ؟؟ الصحفيون والعاملون بالإعلام كثيرون في مكاتبهم ... وبالمئات ينتظرون أن يأتي من يحكي لهم .... هل أنت وأنت الفتاة أقوي منهم ؟؟؟ وهل أنت حديثة السن أكثر خبرة منهم ؟؟ أم أنت في عهد البراءة ذاك أصدق وأوعي وأخلص منهم ....؟ لم تستطيعي الانتظار في مكتبك ولتقصي علينا حكاية عن هذه المجموعة المتلصصة وهذه الفئة المارقة التي تدعو للإرهاب وتعطل الدستور وتنتمي لجماعة محظورة ؟؟؟

ستجدين كثيرين يشفقون عليك ... وآخرين يثبطون تلك الهمة ويسخرون منها ... وستجدين آخرين يتمنون لو أصبحوا عشر ما أنت عليه ........ أما أنت ... فستبقين تسجلين الألم .... ألم الوطن ... بقلم الوطن ....

( 5 )

"زهراء خيرت الشاطر" ستأتي وأنت تتمني أن تري هذه السيدة الصغيرة التي بهرت كل وسائل الإعلام ... وستراها .. ولكن ليس كما يصورها الإعلام ... ستجد هذه الأم تبحث عن صغيرها وتنادي عليه ... ومرة تشده من يده ... لأته يريد أن يجري منها .... ستراها وهي تدور بعينيها تبحث عن هذا الشقي الصغير ... ولن تملك إلا أن تبتسم وأنت تراها تسحبه من يديه ... هي سيدة عادية مثل أمي وأختي الكبيرة بل وتستطيع أن تشعر ناحية هذا الوجه بكل الحميمية والألفة .... سيكون طبيعيا أن تجد نفسك مدفوعا للبحث عن باقي الأهالي الذين كنت تسمع عنهم .. وأن تنظر في الوجوه لعلك تعرف أحدا منهم .. كي تعود لتحكي لأهلك عمن رأيت وعما رأيت ... لن تستطيع أن تفرق بينها وبين كثيرين ... جمعتهم رفقة ذويهم وراء السجون ... وألم الانتظار تحت نار الشمس الحارقة هنا ...

هناك 10 تعليقات:

علاء يقول...

ياااااه
لم اتصور ان هناك من سيكتب التغطية بهذا الاسلوب الروحاني الجميل
الشيق في نفس الوقت
ربنا يبارك فيك
و لكن ..
اين الباقي
ده انتا ايدك اتهرت كتابة يا محمد
راح فين باقي الكلام
و فين العسكري اللي كان بيردد الأذان
و فين الهتافات التي دفعت بداخلنا العزة و الكرامة و سط هذا الذل و المهانة
أين صلاة الظهر و التجمع الرباني و الدعاء المؤثر

عندما قرأت كلامك تمنيت حقا و بشدة
أن اسمع باقي الأحداث التي رأيتها بعيني
و لكن بذلك الأسلوب الجميل الذي يعطيني أنا نفسي صورة أخرى للأحداث لم أكن لأراها لو قراءتي لهذه الكلمات
بارك الله لك و حفظك وا تمنى ان أقرأ الجزء الثاني
و على موعد ان شاء الله 15/7
:)

شاويش يقول...

يا علي الزمن

البواسل وايوب

ممكن الاسماء ده فعلا يكون ليها معاني واضحة لكل الناس

بس سبحان الله انها كلها تختلط في يوم واحد مع حدث واحد

يبقي في حكمة ربانية

الله واعلم

ديمة يقول...

رائع جدا جدا

انا كان نفسى احضر

ولكن بجد انت نقلتنى فى المكان بطريقة لا توصف

انا خايفة اروح بنفسى ميوصلش لى نفس الاحساس

Mohamed Almohandes يقول...

نعم كنت معهم، وشعرت بما شعرت به؛ ولكنك عبرت عما اعترانا جميعاً من ألم، وأمل..
تذكرت استنكار أحد الضباط مقولة "حسبنا الله ونعم الوكيل" متسائلاً "بتقولوا حسبنا الله فى جيش مصر".
وقد أجاب هذا الاستنكار عما اعترانا جميعاً: وما دخل جيش مصر بهذه الخصومة السياسية الفجة؟
ما الذى جعله يقف منا نفس موقف هذا الجهاز المسمى جهاز أمن الدولة.
نحن نعتز بجيش مصر.. نعم؛ ولكن حين يحمينا من أعدائنا، يحمى ظهورنا وصدورنا؛ فهو منا ونحن منه.. وسيظل كذلك أبداً بإذن الله.

إذن فليسأل هذا الضابط نفسه: من أقحم الجيش فى هذه المهزلة؟

وجزاك الله خيراً.

Taher يقول...

تتحدث عنهم كما لو كانو اهلك شعور يستحق الاحترام

غير معرف يقول...

www.khirat-elshater.blogspot.com مدونات ابناء المعتقلين وخاصة مدونة ابناء المهندس خيرت الشاطر

محمد السيد يقول...

الباشمهندس علاء ...

الإسلوب الورحاني الجميل ده ...
عشان إحنا شفنا جزء من البهدلة دي ...

أمال لو شفنا كل حاجة كنا كتبنا إيه؟؟

وياعم لو كنت زودت عن كده حأزهق أنا ....

ده أنا قلت إن كده كتير ...


ومش حأعلق علي الإطراءات دي كلها ... ياعم فين الجمال ده بس ...

إنت اللي جميل يا سيدي ....

ربنا يجمعنا علي طول علي خير ...


________________________

شاويش ...

هنا شخصيا بنفسك ...
سيبك من الأسبوع و الكلام الفاضي ده .. وقضيها تدوين ...

محمد السيد يقول...

ديمة ....

مش لاقي حاجة أكتبها ...
فكرة إني أعلق علي تعليق إنت كاتباه عني ... مش راضية تدخل دماغي ...


لكي كل احتراماتي ودعواتي وامتناني ...

وللصبر حدووووووووووووود ...دي جملة خارج السياق .... :D

اللهم كما جمعتنا في الدنيا فاجمعنا في جنات النعيم ....

محمد السيد يقول...

Mohamed Almohandes

نورتنا يا أفندم

وأكيد سؤالك ... إيه دخل جيش مصر باللي إحنا فيه ؟؟
لكن من يسمع ؟؟

لا أحد ...

ـــــــــــــ

Taher

أكيد أهلي وأهلك وأهلنا كلنا ...
لر رحت المرة الجاية حتلاقي نفسك أكثر من كده

اصرار أمل يقول...

قرأت التغطية فى أكثر من مكان ؛
لكنها مختلفة حقا بقلمك ؛
أنتظر الجزء الثانى حقا ؛
لأن الكلام لم ينته ؛
ولأن هذا الأسلوب أكثر من رائع ؛
بارك الله لك ......
ولا حرمك أجر هذا اليوم ...