الثلاثاء، يونيو 05، 2007

باقي اليوم

( 6 )
هل مللت من الانتظار ؟؟ الساعة جاوزت الحادية عشر والنصف ... لا يزال اليوم طويلا ... لا تتعجل .... ثم لم الملل؟ وقد بدأوا ينادون علي المحامين من أجل الدخول ... لا تبتسم هكذا... فمن الطبيعي عدم الابتسام في مثل هذا الموقف .. لأنك ستجد أوامر من نوعية ..لن يدخل إلا محامي واحد فقط لكل متهم ؟ لا تصرخ كثيرا مع كل من صرخ من المحامين الواقفين .... لا تتعصب كما تعصب عبد المنعم عبد المقصود المحامي الإخواني ... لا تأتي مسرعا وأنت كبير السن في عمر سيف الإسلام حسن البنا ... لا تغيب كثيرا حين ينادوا عليك مثل الأستاذ المحامي محمد طوسون لتدخل لعرض الأمر علي القاضي ليتفضل ويسمح بدخول المحامين والأهالي ....
- لا تتعصب لو حشروك مع المحامين في حجرة ضيقة بغرض تفتيشك وأنت المحامي .... ثم بعد ذلك يعطي لعدد بسيط جدا منكم تصريحا بالدخول بعد قضاء أكثر من ساعة في هذه الوقفة التفتيشية .... لا تغضب وأنت تري علي هذا التصريح الممنوعات الأربعة ... ممنوع استخدام المحمول .. ممنوع الأدوات الكتابية ... ممنوع التصوير ... ممنوع التحركات الفردية ... ويجب الالتزام بالتعليمات الأمنية ....
- لا تضحك عندنا تقول: "حتى الأقلام ممنوعة ؟" .... فيرد عليك أحد الواقفين بجوارك :" مين اللي قال قصدهم الأقلام والأوراق والحاجات دي ... دي اسمها أدوات مكتبية ... هم قصدهم متجبوش أدوات كتابية يعني متجبش معاك مكتب ولا أباجورة ..ولا تجيب معاك ترابيزة ... ولا كده يعني! ... "

ألم أحذرك ؟ ..... لا تضحك ....

( 7 )
حين تفتح التليفزيون في بيتك وتري مجندات يفتشن السيدات في العراق أو فلسطين أو أي بلد محتل في العالم ... لا تتعجب فلم يعد المشهد هناك فقط .... لأنك اليوم ستري مثله .. بعد انتظار أكثر من ثلاث ساعات ونصف في الشمس الحارقة .... في صورة مهينة للغاية تأتي أختك الصغيرة ووالدتك المسنة وهذه الفتاة الطيبة الملامح .... وتلك الأخرى المليئة عيناها بالدموع .... سيقضين كلهن وقتا طويلا وهن يخضعن للتفتيش بأمر من أبناء بلدهم .... ويؤخذ منهن كل ما يمكن أن يصلهن بالعالم الخارجي ... ولو حتى ورقة صغيرة ....

بعدها بأكثر من ساعة ستجد حلا وحيدا أمامك وأنت تري بعض الأهالي يجمعون بطاقاتهم الشخصية ويدخل بها أحدهم للقاضي ليسمح لهؤلاء فقط بالدخول دون الآخرين ..بل حين ينادون علي عبد الرحمن الذي ذهب يشرب بعيدا بعض الشيء ولا يجدونه لا يسمحوا له بالدخول بعد أن جاء مسرعا ... رغم أن بطاقته واسمه نودي عليه كما تري ....

( 8 )
الآن ....
لو قدر لك أن تدخل قاعة المحكمة ... فستجدهم محبوسين في القفص علي يمينك ... يؤذنون للصلاة ويصلون الظهر جماعة... ستنزل رهبة الصلاة عليكم جميعا وستردد معهم دعائهم الذي أطالوا فيه ... ستجد في داخلك رغبة في الحديث إلي أحدهم ... لكن نظرة واحدة من أيهم ستنهي كل ما في داخلك من رهبة وخوف وتبعث في داخلك هذه الطمأنينة والأمان .... هذا الممر الحائل بين القفص وبين القاعة كي لا تستطيع أن تلمس أحدا منهم لن يهمك .... لن تهمك المرافعات وأقوال القاضي والمحامين .. فأنت تعلم أن هذا الجالس علي الكرسي ... لا يهتم بكل هذا وأن القرار معروف من قبل .. وأن كل ما تفعله هو فضح هذا النظام ونشر جرائمه ...
سيأخذك التطلع إلي وجوه الأطفال والسيدات ... سيأخذ عقلك وقلبك وبالك ... ستنسي معه أي شيء وكل شيء ....
ستهزأ في داخلك من هذا الذي يدير المحكمة وهو يصرخ في العسكري:"هات مياه "مية" للبيه المحامي يا شرطة" ... هل هذا حقيقي ..أنت تعلم الجواب ولكنك تتساءل عن المسرحية ؟؟ ... أنت تتساءل وهو يتساءل :" ليه قاعدين في الشمس يا جماعة؟ " ... أنت تتساءل وهو يأمر بسماحة صدره أن بفتح هذا الممر ليدخل الأهالي منه لتلامس أيديهم أيادي آبائهم ... وتنتهي الجلسة ولا يدخلون ... أنت تتساءل وتتساءل وهو ينطق ... ينطق بالتأجيل في النهاية .. ولا مجيب...

( 9 )
أما لو كنت بالخارج .....
فقد حان الوقت لكي تعرف أنهم لن يسمحوا لأحد آخر بالدخول .. وأن المئات الواقفين هنا لن يتمكنوا من الدخول إلي قاعة المحكمة ... وتبدأ معهم في الهتاف والتظاهر بكل ما فيك من قوة ... هل تستطيع أن تسكت وأنت تري أحد ظباط أمن الدول يخرج زاعقا في الواقفين ؟ هل ترد مثلما رد عليه أحدهم :"أنت ملكش كلمة علينا هنا ..إحنا مش عساكر عندك ؟ .. أنت تصرخ في جنودك فقط .. لكن لا سلطة لك علينا هنا أبدا" ....
- لن تستطيع أن تسكت وأنت تسمع الأهالي يصرخون .."أمن الدولة يا أمن الدولة ... عمر الظلم ما قوم دولة".... فعلا لن تسكت ... سيجول بخاطرك .. إلي هذه الدرجة يتحكم ظباط أمن الدولة في هذا البلد؟ رأيتهم من قبل يسيطرون علي جنود الأمن المركزي .. وعلي ظباط المباحث .. بل ورأيتهم ... يحركون الأمر ليقضوا علي حركة القضاة ... لكنك لم تتصور أن يصل جبروتهم إلي التدخل في أمور الجيش؟ ...
- لن تسكت وأنت مع المتظاهرين تردد "قولوا يا ناس لراس الدولة ... عمر الظلم ما قوم دولة" ..... ستتساءل؟ هل فعلا يوجد من يقول له ؟ وهل فعلا يوجد من يسمعه صوتك؟ بل هل يوجد من يستطيع أن يقول له ذلك ؟...
- لن تسكت وهم يقولون "آه يا مصر ... وآه يا مصر ... لسة فيكي سجون وقصر" .... ستتساءل ثانية ؟؟ ماذا يفعل رئيس مصر الآن ؟ هل يهتم بك فعلا؟ هل يهتم لأمرك ؟ هل يهمه أن تخرج أو لا تخرج .. أن تسكت أو لا تسكت ... أن تصرخ أو لا تصرخ ؟...
- لن تسكت وأنت معهم تنادي "مصر يا أم ... ولادك أهم .. دول علشانك شربوا الهم .. دول يفدوكي بالروح والدم" .... ستتساءل عن هذه الأم ؟؟ وهل لازالت تعتبرك ابنها؟ ولماذا قدرك وأنت المحب العاشق الولهان ... أن تري كل هذا الجفاء من أخوتك من هذه الأم ... ستتساءل لماذا يريدون أن يبعدونا عنها وما مصلحتهم في ذلك؟ ... لماذا لم يكتفوا ويشبعوا إلي الآن؟... ولماذا لا يدعوها بعد أن ملؤها فسادا ... ويرحلوا؟ ... لماذا لا يتركوك تواجه مصيرك فيها وحدك ؟...
- لن تسكت وهم يهتفون "قول يا خيرت ... قول يا شاطر ... مش حنبطل مش حنسافر" .... الآن لا تتساءل ... لأنك تعرف أنهم لا يريدونك هنا ... ولا يريدون وجودك في هذه الدنيا
أساسا ... ستردد مع الإخوان .. ومع كفاية .. ومع الكرامة والوسط والغد ... ستردد مع الاشتراكيين الثوريين ... ستردد مع كل المصريين مش حنبطل ... مش حنسافر ...

- لن تسكت وستغني معهم في حب بلادك .. "بلادي بلادي اسلمي وانعمي ... سأرويك حين الظما من دمي "
- لن تسكت ....

( 10 )
أما الآن وقد جاوزت الساعة الرابعة والربع ... المئات استلقوا علي الأرض .. تتمني لو معك كاميرا كي تصور كل هؤلاء وهم مفترشين الأرض ... ستجد الصورة غير متناسقة بين الملبس والهيئة وبين نومهم علي الأرض والتراب... ستقرأ جريدة "الدستور" وفيها خبر عن المحاكمة ... وستجد "المصري اليوم" لازلت تحرض علي هؤلاء المسجونين بحديثها عن لقاء سري غامض بين قادة من حماس وآخرين من الإخوان .... لا تتعجب وأنت تري من بين الأسماء أناسا من غير الإخوان ... الآن لن تتعجب ... الأيام تثبت دائما والمواقف تتحدث ...
ستحاول النوم قليلا علي الأرض ولن تستطيع لآن الذباب سيضايقك للغاية ... ستجلس بجوار الجنود علي البوابة .. ستأتيهم الإخبارية الآن بانتهاء الجلسة وبأن المحامين والأهالي في الطريق .... ستتجمعون جميعا علي السور تنظرون إلي القادمين من بعيد .. ستنزل سيدة .. وأول ما تقول .. تأجيل إلي 15 /7 ... وحسبنا الله ونعم الوكيل ...
- من داخلك ... ستبدأ في الدعاء علي المستبدين ... يكتمل الجمع الخارج .... لن تبكي الآن ... فمنظر السيدات وهن خارجات باكيات مبكي ... ومنظر الأطفال وهم خارجون من السور يذكرك بأرض محتلة ... ومنظر هذه السيدة وهي تعطي تليفونها لإيمان يؤكد لك أنهم يحتاجون من يقف بجوارهم ويسأل عنهم ويطمئنهم علي ذويهم .. هؤلاء الفتيات الصغيرات دموعهم ستؤثر فيك وستهزك الدموع الأخري المختفية خلف النظارات .... ستنطلق الصرخة من أعماقك ...
ترفض .. تصرخ .. تئن .. تتوجع .. ولكنه قدرك ...
- أنت المصاب بحب هذه البلد ... أنت المصاب بداء العشق ... أنت المصاب بمرض لا شفاء له .... أنت المصاب بحالة الهيام الأبدية ... أنت المحب والعاشق والولهان ... أنت الهائم علي وجهك في البرية ... أنت الصارخ في وجه الظلمة ... أنت الرافع صوتك ضد الظلم وضد السجن وضد الحبس ....
مع أمل دنقل في ذكراه تردد ..... "أنت فارس هذا الزمان الوحيد وسواك المسوخ ...."

هناك تعليقان (2):

elfagreya يقول...

أنت المصاب بحب هذه البلد ... أنت المصاب بداء العشق ... أنت المصاب بمرض لا شفاء له .... أنت المصاب بحالة الهيام الأبدية ... أنت المحب والعاشق والولهان ... أنت الهائم علي وجهك في البرية ... أنت الصارخ في وجه الظلمة ... أنت الرافع صوتك ضد الظلم وضد السجن وضد الحبس ....


مواقف وكلمات أكثر من رااااائعة أخى الكريم محمد

ربما حرمتنى الامتحانات من التواجد مع ابائى فى هذا اليوم
ولكن قراءة ما كتبته حفصة خيرت وما كتبت

جعلتنى اشعر كانى كنت هناك وسط هذا الجو المليئ بالظلم

لكن تاكد ان رحمات الله اقرب
واوسع واعم
اون هذا لن يدوم ابدا

محمد السيد يقول...

الفجرية ....
أسماء كما ينادونك ....

أتمني اليوم الذي لا أضطر فيه ولا غيري للذهاب لمثل هذا المكان ....

دعواتك ... وفي انتظار جديدك ..

اكتبىىىىىىىىىىى